السيد محسن الأمين
273
أعيان الشيعة ( الملاحق )
رهبان ليل يذكرون كلامه * آساد غاب في الوغى ينهار ثم تمضي عليهم سنون لا يجس في قلب أحد منهم واجس تمتع ولا داعية ميل إلى زوجة . ومثل ابن مسعود في ورعه ودينه إذا اعتقد حرمة زنا وقال ألا نختصي لا يمكن ان يعتدي على القرآن يضرب بعض الآيات ببعضها يبتذل في سبيل سبقه آية لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ، واي فرق بين هذا الاعتداء وبين قول خليع يستحل زنا بغادة جميلة ويقول لا تُحَرِّمُوا وأقل صحابي ( ولا أقل بين الصحابة ) أجل من أن يبتذل آية مثل هذا الابتذال فكيف ابن مسعود وهو احفظ الصحابة واقرأهم بلا استثناء واعلم من أكثرهم وأشبههم أدبا وهديا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم . ( ونقول ) ( أولا ) انه لم يرو ذلك الامام الطحاوي وحده بل رواه قبل الطحاوي أصحاب الصحاح وغيرهم . الامام البخاري . والإمام مسلم . والإمام أحمد بن حنبل والنسائي وابن ماجة وغيرهم وهم الذين قال عنهم فيما يأتي عند ذكر متون الأحاديث انهم أئمة الأمة وان لهم رواية محيطة ودراية نافذة واسعة وانهم نقدوا الأحاديث نقد الصيارفة خالص النقود من زيوفها وانه ما فاتهم شيء من سنن النبي وأحاديثه وانه لم يبق في أحاديث الأمة زيف أو دخيل وهنا يقول هذا كلام لفقته ألسنة الرواة من كلمات جرت في مجالس متفرقة على حوادث مختلفة وهل هذا الا قدح في نقد هؤلاء الأئمة للأحاديث بأنه اختلط عليهم الأمر فجمعوا كلاما لفقته ألسنة الرواة من كلمات جرت في مجالس متفرقة على حوادث مختلفة لم يميزوا بينها فلفقوها وجمعوها وهل هذا إلا تناقض ظاهر وكم له في كلامه أمثال . ( ثانيا ) لا أقبح ولا أبرد ولا أسخف من هذا العذر الذي اعتذره عن ترخيص النبي ( ص ) لهم في النكاح بالثوب إلى أجل بأنه ترخيص في الزنا لكونه أخف حرمة من الاختصاء فإنه لا يصدر ممن عنده ذرة من معرفة مع أنه مناقض لما وصفهم به من أنها تمضي عليهم سنون لا يجس في قلب أحد منهم واجس تمتع ولا داعية ميل إلى زوجة ولما وصف به ابن مسعود من الورع والدين فمن تكون هذه صفتهم هل يتفوه من عنده ذرة من علم أو عقل بأنهم يقدمون على الزنا ثم يزيد بان النبي ( ص ) رخص لهم فيه لأنه أخف حرمة من الاختصاء هل يمكن ان يتكلم بمثل هذا مفلت من دبر هرقل ومناقض أيضا لأمر الله لهم بالصبر والمصابرة ولكن التناقض في كلامه لا شيء أرخص منه وأي حكمة في ذلك يمكن اسنادها إلى النبي ( ص ) وهم لم يريدوا بقولهم ألا نختصي حقيقة وإنما أرادوا إظهار زيادة المشقة أي ما ذا نصنع أنختصي فلم يبق بيدنا شيء نفعله إلا الاختصاء كما يقول المتضجر ما ذا افعل أأقتل نفسي ؟ فلا اضطرار هنا إلى أحد الأمرين يبيح الأخف ضررا منهما كانقاذ الأجنبية من الغرق المستلزم مس بدنها كما هوا [ هو ] واضح . ( ثالثا ) زعمه ان ابن مسعود وغيره لم يغب عن أهله غيبة طويلة في عهد الرسالة تضطره للاختصاء هو رد للآثار الثابتة بالاستبعادات والتأويلات الخارجة عن مداليل الألفاظ ولو جاز التعويل عليها لم يسلم لنا حديث فكل يؤل على مشتهاه ان الاختصاء لم ترد حقيقته كما عرفت وهل كان مع الصحابة فعرف سرهم وعلانيتهم وظاهر أحوالهم وباطنها على أن عوامل الطبيعة في مثل ذلك كما تكون مع الغيبة الطويلة تكون مع القصيرة أمثال الشهر والشهرين والأقل وطبائع الأشخاص في ذلك مختلفة مع أن هذه الدعوى لو صحت لأبطلت عذره المتقدم من أن جواب النبي كان على أسلوب حكيم إلخ ، كما لا يخفى . 273 ( رابعا ) أحكام الشريعة كانت تنزل تدريجا فيجوز ان يكون حلية المتعة شرعت يومئذ وبذلك يبطل زعمه ان قوله ألا نختصي يدل على أن حرمة التمتع كانت معلومة على أنه قد قال فيما مر : كانت في عهد الرسالة تثبت سنة وتخفي على جماعة من الصحابة كثيرة وان ابن عباس قد خفي عليه سنن في أبواب الربا والصرف مع ما قيل عنه ان عنده ثلثي علم رسول الله ( ص ) فلأبن مسعود أسوة به فصح على مقتضى قوله ان يكون التمتع مشروعا وخفي عن جماعة كثيرة من الصحابة ولا ينافي ذلك ما وصف به ابن مسعود من صفات التعظيم . ( خامسا ) ان صح ان أطول الغزوات كانت بعد نزول آية وَلْيَسْتَعْفِفِ لم يمنع ذلك ان يشكو ابن مسعود إلى الرسول ( ص ) مشقة العزوبة ويقول ألا نختصي والأمر الطبيعي لا يتنافى مع القيام بأدب الدين وإطاعة أوامر الكتاب ولا يرتبط بذلك ويمكن حصوله في المدة الطويلة والقصيرة ولا يرفعه الأدب ولا الخروج للجهاد في سبيل الله بل هو امر قهري من لوازم الطبيعة يحصل للمجاهدين والقاعدين والمتأدبين والقليلي الأدب والمطيعين لأوامر الكتاب والعاصين لها . فقول ابن مسعود أو غيره للرسول ( ص ) ألا نختصي ليس عصيانا لقوله تعالى : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ ) ولا خروجا عن أدب الدين بل هو شكاية إلى الرسول ( ص ) كما يدل عليه ما في رواية أخرى : شكونا إلى رسول الله العزبة ومن عادة الاتباع ان يشكوا إلى متبوعهم كل ما ينوبهم خصوصا من هو احنى عليهم من الأب الشفيق وهم - كما مر - لم يريدوا حقيقة الاختصاء بل إظهار زيادة المشقة والضجر فارشدهم إلى المتعة وأباحها لهم عن الله تعالى فكانت شكايتهم سببا لحصول الفرج لهم . وإذا كان ابن مسعود يعلم أن أمد الإغناء يمكن ان يمتد إلى سنين كان ذلك أدعى إلى أن يشتكي إلى الرسول العزبة وابن مسعود لم يعلم بحلية المتعة قبل ذلك الوقت فبطل قوله هل كان أفقر من أن يكون له كف من بر وآية وَلْيَسْتَعْفِفِ لا دلالة لها على تحريم المتعة بشيء من الدلالات ولذلك لم يذكرها أحد في أدلته قبل هذا الرجل مع تشبثهم في ذلك بكل رطب ويابس اللهم الا ان يكون وقع ذلك من أحد أمثاله فهذا التكرار والتطويل والتهويش والتهويل بدون برهان ولا دليل لا يغني من فتيل وإن دلت على وجوب الاستعفاف عن الزنا من الذين لا يقدرون على التزوج لفقرهم حتى يغنيهم الله من فضله فيتمكنون من مهر الزوجة ونفقتها والمهر في كل من النكاح الدائم والمنقطع يجوز ان يكون كفا من بر أو درهما أو تعليم سورة أو قنطارا من ذهب وقد اجمع المسلمون كافة على أن كل ما يتمول يصح ان يكون مهرا في الدائم بل يصح بدون مهر أصلا كما نطق به القرآن الكريم ويكون لها مع الدخول مهر المثل وقد صرح الخليفة الثاني كما نقله هو فيما مر بان كفا من بر يصح ان يكون مهرا في النكاح الدائم واعترف هو أيضا فيما مر بان أقوال الشيخين حجة كاقوال الرسول ( ص ) كما اجمع كل من قال بنكاح المتعة ان كل ما يتمول يصح ان يكون مهرا قل أو كثر ككف من بر أو درهم أو تعليم سورة أو قنطار من ذهب . وكما يمكن ان لا يقدر المرء على النكاح الدائم لفقره مع غلاء المهر وكثرة النفقة يمكن ان لا يقدر على المنقطع لعدم رضا المرأة بمهر قليل أو عدم رضاها بالمنقطع أصلا ولو بمهر كثير أو عدم تمكنه ولو من القليل كدرهم أو درهمين أو عدم رضاها بالمنقطع أصلا ولو بمهر كثير فيدخل تحت قوله لا يَجِدُونَ نِكاحاً . وكما يمكن ان ترضى في المنقطع بمهر قليل ككف من بر أو درهم أو تعليم سورة يمكن ان ترضى بذلك في الدائم أو بغير مهر ويصح النكاح وأن تكون غنية فلا تكلف الزوج النفقة